ابو القاسم عبد الكريم القشيري
467
الرسالة القشيرية
فأجابهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . « اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ، فأكرم الأنصار والمهاجرة » « 1 » . وليس هذا اللفظ منه ، صلى اللّه عليه وسلم ، على وزن الشعر ، لكنه قريب منه . وقد سمع السلف والأكابر الأبيات بالألحان ؛ فمن قال بإباحته من السلف : مالك بن أنس : وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء ، وأما « الحداء » « 2 » فاجماع منهم على إجازته . وقد وردت الأخبار واستفاضت الآثار في ذلك ، وروى عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع ، فقيل له : إذا أتى بك يوم القيامة ، ويؤتى بحسناتك وسيآتك ، ففي أي الجانبين سماعك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات . يعنى أنه من المباحات . وأما الشافعي ، رحمه اللّه ، فإنه لا يحرمه ، ويجعله في العوام مكروها ، حتى لو احترف بالغناء أو اتصف على الدوام بسماعه على وجه التلهي ترد به الشهادة ويجعله مما يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات . وليس كلامنا في هذا النوع من السماع ؛ فإن هذه الطائفة جلت رتبتهم عن أن يستمعوا بلهو ، أو يقعدوا للسماع بسهو ، أو يكونوا بقلوبهم مفكرين في مضمون لغو ، أو يستمعوا على صفة غير كفء . وقد روى عن ابن عمر آثار في إباحة السماع ، وكذلك عن عبد اللّه بن جعفر ابن أبي طالب ، وكذلك عن عمر رضى اللّه عنهم أجمعين ، في الحداء وغيره . وأنشد بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم الأشعار فلم ينه عنها ، وروى أنه صلى اللّه عليه وسلم استنشد « 3 » الأشعار . ومن المشهور الظاهر أنه دخل بيت عائشة رضى اللّه عنها ، وفيه جاريتان تغنيان ، فلم ينههما . أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى قال : أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد
--> ( 1 ) حديث صحيح متفق عليه . ( 2 ) الحداء : بضم الحاء وكسرها : هو الغناء للإبل حتى نسرع في السير . ( 3 ) استنشد : طلب أن تنشد وتقال .